قصة الشيخ الذى ابصر بالقرآن

قصة الشيخ الذي أبصر بالقرآن عندما تنسى قرية أعلامها وعلماءها، وعندما يصبح مرور هؤلاء على أرضها مجرد ذكرى، فإنها تفقد جزءًا مهمًا من هويتها وتراثها. هؤلاء الأشخاص الذين كانوا نماذج قدوة ومشاعل نور ينيرون الطريق للأجيال القادمة يصبحون في طي النسيان، وتفقد القرية بذلك الروح التي كانت تجعلها متميزة ومزدهرة.يجب على المجتمعات أن تعمل على توثيق تاريخها وحفظه. يمكن أن يكون ذلك من خلال كتابة الكتب، وإنتاج الأفلام الوثائقية، وإنشاء المتاحف التي تعرض إنجازات هؤلاء الأعلام والعلماء. واليوم أبدأ بتقديم المعلم والاستاذ ثم سأعرض نماذج من تلاميذه اين وصلوا وكيف كانوا في قرية تَحفُّها الحقول الخضراء وتزينها أشجار النخيل (قرية حجازة قبلي)، وُلد الشيخ محمد عبد المولى. لم تكن ولادته حدثًا عاديًا؛ فقد حُرم نعمة البصر بعد ولادته بأعوام قليلة ، لكن الله منَّ عليه بنعمة البصيرة، ووهبه قلبًا نابضًا بحب العلم والقرآن. نشأ في كنف أسرة كريمة، وبدأت رحلة تعليمه منذ الصغر حيث حفظ القرآن عن ظهر قلب، وكان بحراً في التاريخ والعلم. كلما انتهى العام الدراسي، كان الأطفال والشباب ينتظرون بشوق لحظة الذهاب إلى الشيخ محمد وكنت واحدا من هؤلاء، ليجلسوا بين يديه ويسمعوا حلو حديثه ويرتشفوا من بحر علومه. كان الشيخ محمد جدي لأمي، وكان كتابه أشبه بجامعة كبيرة، محكمة النظام ومخلصة العمل، تُعرف بكتاب الشيخ محمد. من هذا الكتاب تخرج عظماء القرية، رجالاً ونساءً، حاملين في قلوبهم وعقولهم القرآن وعلومه. في كل عام، كان الشيخ محمد يقدم للقرية عددًا لا بأس به من حفظة القرآن، منهم من أصبح فيما بعد من كبار أساتذة الجامعات، وكان لهم دورهم البارز في تاريخ مصر السياسي والعلمي. كان الشيخ محمد شديد الغيرة على القرآن، يثور إذا سمع أحدًا يخطئ في تلاوته. كنت أصطحبه لساحات العزاء، وهناك كنت أرى قراء العزاء يتوقفون عن القراءة احترامًا وخوفًا من الخطأ أمامه. كان الشيخ محمد عالماً في أشرف العلوم وأجلها، وكانت مجالسه العلمية عامرة بالعلماء والفقهاء. يسهرون حتى الصباح يتدارسون ويتسامرون ليس في مجريات مباريات الكرة أو أفلام السهرة، بل في شتى العلوم. أسماء مثل الشيخ حسين البصيلي، الشيخ الصاوي الخفش، الشيخ عبيد البصيلي، الشيخ موسى حارث، وأبناء الشيخ أبي القاسم كانت تزين مجالسه، رجالًا يبدون بسطاء بجلابيبهم وعمائمهم، لكنهم كانوا عمالقة في العلم والتقوى. لم يكن الكبر يملك قلوبهم، ولم يملأ الغرور نفوسهم. كانوا يجلسون بين الناس كأنهم جهلاء لا يعلمون شيئًا، لكنهم كانوا كنوزًا من المعرفة والحكمة. رحمهم الله جميعًا. كم كنت أحمد الله أن يسر لي أن يكون هذا الشيخ جدي، وأحمده أن أتاح لي أن أشهد شيئًا من مجالسهم عندما كنت أبيت معه أخدمهم، أقدم لهم الشاي والطعام. أيام خلت ما أعظمها من أيام، لكنها شخصيات لابد أن تُخلد في ذاكرة أبناء القرية، كي لا نفقد قدوتنا، وكي نواجه مشكلات انتشرت في زياراتي الأخيرة؛ المخدرات، الشابو، والسرقة. أحببت أن أدلي بشهادتي في حق شخصية عشت معها وتعلمت منها، شخصية كان لها أثرها في أجيال بأكملها. رحم الله الشيخ محمد عبد المولى، وجعل علمه ونوره هاديًا للأجيال القادمة.

إرسال تعليق

0 تعليقات